يرى إسماعيل نعمان أن التقارب بين تركيا ومصر والسعودية يفتح الباب أمام صيغة إقليمية أقل صدامًا وأكثر براجماتية في إدارة ملفات القرن الأفريقي والبحر الأحمر، حيث تتداخل اعتبارات الأمن والتجارة والطاقة والنفوذ السياسي. ويطرح الكاتب فكرة محورية مفادها أن تنسيق السياسات الخارجية بين هذه العواصم الثلاث قد يحقق مصالح مشتركة ويحدّ من الفوضى، بدلًا من ترك الساحة لمنافسات تستنزف الجميع.
ويوضح في المقال الذي نشره موقع بوليتيكس توداي أن المنطقة اكتسبت أهمية استراتيجية متزايدة في السنوات الأخيرة بسبب موقعها الحساس على تقاطع طرق التجارة العالمية ومسارات الطاقة، وهو ما جعلها ساحة جذب لقوى إقليمية ودولية عديدة. وفي هذا المشهد المعقد، تحاول أنقرة أن تقدم نفسها لاعبًا يفضّل التنسيق على التنافس، خصوصًا مع القاهرة في الملف الصومالي، ومع الرياض في الملف السوداني، مستفيدة من مسار تطبيع العلاقات مع مصر، ومن تنامي الثقة المتبادلة مع السعودية.
تنسيق تركي مصري في الصومال
يبرز الصومال، وفق المقال، بوصفه الساحة الأوضح التي ظهر فيها أثر التقارب التركي المصري. فالدولة الصومالية ما تزال تواجه تحديات بناء المؤسسات، وترسيخ الأمن، وتوحيد القرار السياسي، في وقت أسهمت فيه تدخلات خارجية وعلاقات خاصة مع أطراف محلية في إضعاف السلطة المركزية في مقديشو. كما تنظر الحكومة الصومالية إلى التعامل الخارجي المنفصل مع أقاليم مثل أرض الصومال وبونتلاند باعتباره تهديدًا مباشرًا لسيادتها ووحدتها الوطنية.
في هذا السياق، تواصل تركيا دعمها لمقديشو عبر التدريب العسكري، والاستثمارات في البنية التحتية، والمساعدات الإنسانية، انطلاقًا من قناعة بأن استقرار الصومال ضروري لاستقرار القرن الأفريقي كله. ويشير المقال إلى أن مصر اقتربت في الآونة الأخيرة من هذا التصور، خاصة مع قلقها من سياسات ترى فيها مساسًا بشرعية الدولة الصومالية وتهديدًا لأمن البحر الأحمر. وهكذا نشأ تقارب عملي بين أنقرة والقاهرة يقوم على أولوية وحدة الصومال وتقوية مؤسساته المركزية.
ويرى الكاتب أن هذا الملف يقدم أحد أبرز ثمار التقارب بين البلدين منذ 2021، لأنهما لم يكتفيا بتبادل الإشارات السياسية، بل بدآ في بلورة مواقف أكثر تنسيقًا إزاء أي تحركات قد تربك الداخل الصومالي أو تضعف الحكومة المركزية. ومن المتوقع، بحسب المقال، أن يدفع هذا التفاهم الطرفين إلى خطوات أكثر حسمًا إذا تصاعدت المبادرات السياسية أو العسكرية التي تهدد استقرار الصومال.
السودان واختبار التفاهم مع الرياض
ينتقل المقال إلى السودان بوصفه ميدانًا آخر يكشف قيمة التنسيق الإقليمي. فمنذ اندلاع الحرب الأهلية، سعت تركيا إلى احتواء التدهور عبر جهود دبلوماسية متواصلة، لكنها واجهت واقعًا إقليميًا معقدًا زادته التدخلات المباشرة وغير المباشرة سوءًا. ومع ذلك، بدأ الانفتاح التركي السعودي ينعكس على هذا الملف، وفتح المجال أمام تنسيق ثنائي يضع الأزمة السودانية ضمن الأولويات المشتركة لأنقرة والرياض.
ويشير المقال إلى أن السعودية تنظر بقلق إلى تداعيات الحرب في السودان، ليس فقط بسبب الكلفة الإنسانية، بل أيضًا بسبب ما قد تجرّه من اختلالات أوسع في موازين البحر الأحمر. فالسودان يطل مباشرة على هذا الممر الحيوي، وأي انفجار ممتد داخله قد يحول النزاع إلى ساحة صراع إقليمي بالوكالة، وهو سيناريو لا يخدم الرياض. كذلك تخشى تركيا اتساع رقعة الفوضى وتعمّق الكارثة الإنسانية، لذلك تدفع في اتجاه الحفاظ على وحدة السودان ومنع تفككه.
ويذهب الكاتب إلى أن تقاطع هذه المصالح شجّع أنقرة والرياض على تفضيل التعاون على التنافس، مع حضور مصري داعم لهذا المسار. وبحسب المقال، أسهم هذا التفاهم في التأثير على تطورات الأزمة، وأظهر أن تنسيق الأدوات السياسية وربما الأمنية بين هذه الدول قد يفرض معادلات جديدة على الأطراف المتصارعة داخل السودان.
شراكة إقليمية بدل صراع النفوذ
يخلص المقال إلى أن ما تبنيه تركيا مع مصر والسعودية ليس تحالفًا مغلقًا بالمعنى التقليدي، بل صيغة مرنة لإدارة الأزمات عبر القواسم المشتركة. وتكتسب هذه الصيغة أهميتها لأنها تقوم على منطق عملي: لا ضرورة لتطابق كامل في المصالح حتى تنجح الشراكة، بل يكفي وجود ملفات محددة تسمح بتنسيق فعّال يحقق نتائج ملموسة.
ومن خلال حالتي الصومال والسودان، يدافع الكاتب عن فكرة أوسع: تستطيع القوى الإقليمية أن تضعف العوامل الخارجية التي تغذي عدم الاستقرار إذا فضّلت التعاون على صراع النفوذ. لذلك يبدو القرن الأفريقي والبحر الأحمر، في نظره، ساحتين مرشحتين لولادة مرحلة جديدة، شرط أن تحافظ الأطراف المعنية على إرادة التنسيق، وأن تتراجع القوى الخارجية عن السياسات التي تعمق الانقسام بدل أن تدعم الاستقرار.
politicstoday.org/the-turkiye-egypt-and-saudi-arabia-axis-in-the-horn-of-africa-and-the-red-sea/

